ابن الجوزي
13
صفة الصفوة
وقد حداني جدّك أيها المريد ، في طلب أخبار الصالحين وأحوالهم أن أجمع لك كتابا يغنيك عنه ، ويحصّل لك المقصود منه ، ويزيد عليه بذكر جماعة لم يذكرهم ، وأخبار لم ينقلها ، وجماعة ولدوا بعد وفاته ، وينقص عنه بترك جماعة قد ذكرهم لم ينقل عنهم كبير شيء وحكايات قد ذكرها ، فبعضها لا ينبغي التشاغل به ، وبعضها لا يليق بالكتاب على ما سبق بيانه . فصل في بيان وضع كتابنا والكشف عن قاعدته لما كان المقصود بوضع مثل هذا الكتاب ذكر أخبار العاملين بالعلم ، الزاهدين في الدنيا ، الراغبين في الآخرة ، المستعدين للنقلة بتحقيق اليقظة والتزود الصالح ، ذكرت من هذه حاله دون من اشتهر بمجرد العلم ولم يشتهر بالزهد والتعبد . ولما سمّيت كتابي هذا « صفة الصفوة » رأيت أن أفتتحه بذكر نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم فإنه صفوة الخلق وقدوة العالم . فإن قال قائل : فهلّا ذكرت الأنبياء قبله فإنهم صفوة أيضا ؟ . فالجواب - ان كتابنا هذا إنما وضع لمداواة القلوب وترقيقها وإصلاحها ، وإنما نقل إلينا أخبار آحاد من الأنبياء ثم لم ينقل في أخبار أولئك الآحاد ما يناسب كتابنا إلا أن يذكر عن عبّاد بني إسرائيل ما حملوا على أنفسهم من التشديد ، أو عن عيسى عليه السلام وأصحابه ما يقتضيه الترهب ، وذلك منقسم إلى ما تبعد صحته ، وإلى ما نهى عنه في شرعنا ، وقد ثبت أن نبينا صلّى اللّه عليه وسلم أفضل الأنبياء ، وأن أمته خير الأمم ، وأن شريعته حاكمة على جميع الشرائع ، فلذلك اقتصرنا على ذكره وذكر أمته .